مقدمة: لماذا هذا الكتاب؟
يعيش الكاتب والفنان حياته
الإبداعية باحثًا عن هَويته الحقيقية، كيف يمكنه تحريك سكون البحيرة بل وتحطيمه
وتهشيمه؟ كيف يبحث عن شكلٍ يمكنه أن يَصُبَّ فيه عصارة روحه الثائرة، المتورطة،
التي تجافي كل ما تعارف عليه المجتمع الفني والثقافي من قبل؛ ولذلك كانت دائمًا
هناك تلك التيارات العاصفة حيث يكون الأمر أشبه بالمتاهة الإغريقية. مَن نحن؟!
وأين نَقف؟! ولماذا نحن؟! ومتى يمكن أن ننطلق مرة أخرى؟! وما الذي نحتاجه
للانطلاق؟ ولماذا يجب أن نُغيِّر العالم؟ وما ملامح العالم الجديد؟ هذا هو الأمر
بالضبط، مع مفاهيم تصف حالة الفنان، مثل الحداثي وما بعد الحداثي، حيث لا ترتبط
تلك الصفات فقط بالفن والأدب والفلسفة، بل هي مفاهيم عامة، ذات دلالات غائرة في
عمق الحياة وأنشطتها المتجددة. لقد ارتبطت بالفنون والآداب والعلوم معًا، بل وتم
تطبيقها في مجالات الصناعة والزراعة وغيرها، أي أنها ليست مقصورة على الإبداع الفني والأدبي.
ليس ذلك فقط، بل تتدخل
الكيانات السياسية في تحديد ملامح هذا التغيير، وعلى ذلك فالفنان ليس مُبرئًا
تمامًا وفقًا لنظرية ما بعد الاستعمار، وأن الهدف الخالص لا يمكن الاعتداد به في
العالم الإنساني، فتلك ليست شيمة الدول الاستعمارية وهي في حالتنا كثيرة، وليست
مُبرَّأة أيضًا من أصحاب المصالح والنفعيين وما شابههم، وهذا الأمر يجب أن نكون
منتبهين له تمامًا ونحن نقرأ الأفكار المتعلقة بالحداثة والحضارة والنموذج الغربي.
بدأت الحداثة كنوع من
التمرد العاتي على القرون السابقة، لا يمكن أن يستمر الإنسان في هذا النهج البطيء
السيء الفهم المرتبك والذي لا يهتم بفردية الإنسان حيث لا يصل فيه المعنى إلى
الجميع، الحضارة تعني مشاركة الجميع وليست قاصرة على النخبة وهو ما تعودت عليه
الحضارات في قرونها التي خلت، الغريب أن أي تحديث للحضارة كان دائمًا ما يُواجَه
بفئة من الناس عليهم دائمًا أن يتكسبوا من كل موجة وكل موقف، هؤلاء المجموعة
النفعية هم سبب أصلي لفساد أي تجربة حداثية أو ما بعد حداثية - وعليك أن تبحث في
أي مفهوم بعين مفتوحة - كما سنُلمِّح في ثنايا هذا العمل... البحث عن الحداثة
يُواجَه بالبحث عن المصالح والربحية.
نعود
للحداثة لنقول بأن الحضارة عليها أن تُجدِّد نفسها، وبين العقد الأول والثالث من
القرن العشرين كانت موجات التقنية تندفع كل صباح لتفتح للحداثة طرقًا جديدة في
أدغال المجتمعات البشرية، كان الأمل بتقويض مفهوم السلطة والتقاليد البالية
مرتبطًا إذًا بظهور موجة الحداثة، هكذا
حدثوا أنفسهم، وهكذا بدأوا، بحكايات بسيطة عن التغيير القادم، كما صرَّحت فيرجينيا
وولف وعزرا باوند وكما فعل قبلهما مونيه في لوحته الشهيرة "إفطار على
العشب"، هؤلاء الثلاثة تحديدًا، ربما ستراهم بعد قراءة هذا الكتاب، أنهم
كانوا هم معاول الهدم من أجل التجديد في الفن والأدب والشعر، لتتحرك بعد ذلك قوافل
كل المجتمع نحو هدم كل ما يمت بصلة للماضي، ليس بهدف الإلحاد (نيتشه) أو العدمية
(سارتر) أو الشك (ديكارت) وليس بهدف أي شيء آخر سوى التخلص من آلاف السنوات التي
اكتظت بالنفاق الاجتماعي، وهذه مأساة أخرى في تاريخ الحداثة، كان الحديث عاليًا
جدًّا عن إزالة الغشاوة أو القناع عن وجه العالم؟!.. كان الفنانون والأدباء يقولون
"ما زال نفاق القرون السالفة يتجذر عاصفًا بكل أفكار متعلقة بالحداثة أو
الحرية"، هنا كانت لحظة التغيير التي كان يرغب بها الغرب بشدة، لكن حتى هذا
تهاوى تحت معاول المادية والرأسمالية من قِبل فريق البحث عن المصلحة الدائمة مع كل
تيار، ويمكنكم أن تركزوا أضواءكم على المواقف الاستعمارية وما بعد الاستعمارية في
العالم حتى هذه اللحظة، حيث يتضح حجم المأساة في العالم، فلا حداثة ولا ما بعد
حداثة ولا أي تيار فكري يمكن أن يستوعب الجنون الإنساني الذي حدث ويحدث منذ بداية القرن العشرين والأحداث الكبرى التي
عاصرته!..
هنا، وفي هذا العمل، حاولنا - في البداية - أن
نكون أكثر تركيزًا على الفن والأدب، ولكن مع استمرارنا في القراءة وجدنا أن تلك
التيارات المتصارعة أصابت كل شيء في الحياة، ليس الفن والأدب فقط، بل الفلسفة
والاقتصاد والمعرفة، وهو أمر أصابنا - نحن أيضًا - بالذهول؛ لحجم ما تركه التياران
من تأثير على الحضارة الغربية، ومن ثَمَّ ما نقلته تيارات المعرفة إلى العالم. حتى
ليوتار نفسه - من أهم فلاسفة ما بعد الحداثة - حين أراد أن يتحدث عن فلسفتها، تحدث
عن المعرفة وقياسها وتأثيرها.
من هنا، ينبغي أن يمثل الفنان فنَّه، فهو في
النهاية روحه التي لا يمكنه أن يعرفها جيدًا، الروح التي تمزقت بين شتى الصراعات
الفنية والثقافية التي خبرها أو تعثر في مواجهتها، أو روحه التي تقف في حجرة مظلمة
بينما الغشاوة تسكن عينيه، يحاول رؤيتها وتلمسها، وفي ذلك يقول نيتشه: "في
الحب الحقيقي، الروح هي التي تحتضن الجسد". ولا نظن ذلك يجافي حقيقة الفن،
فالفن أقرب لمفهوم الحب، لا يمكن للجسد أن يستقر إلَّا إذا استقرت الروح، وفي الفن
ما دامت الروح قلقة، فإن إنتاج الفنان يزدهر ويتمطى بعيدًا خارج كل إطار معروف.
وهنا - في لحظةٍ ما للفنان - يبدو العمل الفني نوعًا من الاستقرار، حتى لو كان
استقرارًا لحظيًّا، لكنه مُهِمٌّ ليتجاوز لوحته، أو عمله الأدبي، أو قطعته
الموسيقية، أو أيًّا ما كان نوع الإبداع الذي يخوضه، في رحلة عدم الاستقرار هذه
يُنتَج الفن والإبداع أضعافًا مضاعفة ما ينتجه في حالة السكون، وكأنه قانون فيزيقي
آخر يُضاف لبقية القوانين الفيزيائية التي نعرفها.
من هنا تأتي فكرة هذا العمل الذي يحاول الإجابة
على السؤال الميتافيزيقي: متى يمكن أن يستقر الفن أو الإبداع؟ ولماذا ظهرت تلك
الموجات العاتية التي سرعان ما تخفت ضوضاؤها، فتحل محلها موجات جديدة؟ وما دور
المعرفة التي أشار إليها الفيلسوف الفرنسي ليوتار في كتابة الشهير (حالة ما بعد
الحداثة).
إن الفن يبدو هنا كبحيرة لا تهدأ، أمواجًا
ودوائر مستمرة، فكل فنان أصيل يمكنه تحريك تلك الدوائر وكسر سكون البحيرة، وربما
هذا أفضل تعبير عن تلك الحالة التي يُكْسَرُ فيها سكون بحيرة العالم الساكنة. وهنا
نأتي لأصل الإبداع، لم يكن استقرار مدارات الإبداع يومًا في مصلحته، بل هي متغيرة
تغير ماء النهر، تحمل بين طياتها الكثير، لذلك نعود لتلك المقولة الإغريقية: إنك
لا تستطيع أن تسبح في مياه النهر مرتين.
من هنا بدأنا التفكير في محاولةٍ للإجابة على
هذه الأسئلة الكبرى: لماذا ظهرت الحداثة؟ وأين بدأت؟ وهل كانت هناك اختلافات بين
مدارس الحداثة في الفن التشكيلي، عنها في الشعر أو العمارة، أو حتى في التاريخ أو
غيره؟ وكيف انهارت "الحداثة" لتُفسِح المجال لمدارس "ما بعد
الحداثة"؟ وهل ظهرت "ما بعد الحداثة" في قلب الحداثة؟ هذا أمرٌ لا
يستبعده كثير من مؤرخي الفن. بل يمكننا رؤية ذلك أيضًا في دراساتِ كثير من العلماء
تشير إلى أن جذور الحداثة قديمةٌ قِدَمَ الفن نفسه، أي قِسْ على هذا البُعد
الكلاسيكي للفن أيضًا. وما ظواهر وسمات هذه المدارس الفلسفية التي تركت آثارها على
الثقافة، والحضارة، والسياسة، والفن؟ وكيف تأثر الإبداع الإنساني بهذه التيارات؟
وما الموقف الآن في العالم من هاتين المدرستين؟ وأين نحن الآن منهما في عصر
المعرفة والمعلومات؟
إنَّ تعريفَ الحداثة، وما بعد الحداثة أيضًا،
يشوبهما كثير من الغموض، لأسبابٍ تتعلق بالأعمال نفسها، إذ كل الأعمال في عصريْ
الحداثة وما بعد الحداثة كانت ضد سيادة السلطة، وضدَّ أي مفاهيمَ أيديولوجية سائدة،
وكان المفهومُ الأيديولوجيُّ الوحيد المقبول من قِبَل الفنان يتعلق بأن الفنان لا
يمثل سلطة وإنما يُمثِّل ذاته، ومن ثَمَّ يُعَبِّرُ عن ذاته في عالمٍ متوحش، يحاول
إعادة رؤيته في كل مرة يشعر فيها أن هناك جديدًا يستحق رؤيةً جديدة، ومن ثَمَّ
السيطرة عليه. وهو يُدرك أن كل نماذج الأيديولوجية صدرت عن هؤلاء الذين يحاولون
السيطرة على الإنسان بهدف سحقه - بأيِّ شكلٍ - لمصلحةِ نظامٍ ما.
يقول قاموس أوكسفورد في
تعريف "ما بعد الحداثة" على سبيل المثال: إنه نمطٌ ومفهومٌ في الفنون،
يتميز بالريبة من النظريات والأيديولوجيات، ويُوجِّه الانتباه إلى مواضع الاتفاق،
هكذا الأمر كله؛ فالفن يرتاب في كل ما هو موجود، يرتاب في السلطة، ويرتاب في
الأيديولوجية؛ لأن كل هذه السُلطات والأيديولوجيات - وعبر تاريخ طويل جدًّا - لم
تستطع أن توفر السلام والطمأنينة للعالم، فكيف بها تسود؟! الفن غير خاضع لذلك؛ إذ
يقوده أمرٌ واحد هو "حرية الفنان" كما قال الفنان التشكيلي والأكاديمي
المصري "حسن سليمان"[i].
تتبقى كلمة أخيرة، إنَّ
أغلبَ مواد هذا العمل، الأقرب لمفهوم الأعمال الموسوعية، هي مواد تم فيها الرجوعُ
إلى عشرات من المقالات والأعمال والدراسات الغربية التي تم الاستشهاد بها، وقد
قُدِّم تلخيص بعضها عند الإحساس بمدى أهميتها، ونقحت وخرجت منها مواد أخرى جديدة
تمامًا، كما استخدمت فيها أدوات تنتمي إلى عصري الحداثة وما بعد الحداثة؛ وكان
الأمر أشبه بلوحة قديمة تُقدَّم بمنظور ما بعد حداثي، ولكننا أردنا أن نُقدِّم
مفاهيم يمكن هضمها بسهولة، وكذلك أن نوضح مجموعة كبيرة من الحقائق - المتغيرة بشكل
شبه دائم - لذلك اعتمدت اعتمادًا شبه كلي على مقالات الدوريات والصحف، وليس على
الكتب إلا إذا تعلق المصدر أو المرجع باسم علم، كرواية أو لوحة أو اسم فنان مبدع
أو محلل تاريخي. ومن هنا رأينا وضع مجموعة كبيرة من الروايات والأعمال الشعرية في
نهاية كل مجلد، في إشارة واضحة لتأثير هذه الأعمال على كل ما أتى بعدها من إنتاج
أدبي.
لقد ارتبطت بمفاهيم
الحداثة وما بعد الحداثة، هاتان القضيتان اللتان تميزان تاريخ الثقافة الغربية
ومحاولة اللحاق بها في بقية الأقاليم في قارات العالم الأخرى في القرن العشرين،
وأن كل ما نراه في عالم اليوم نملك له تفسيرًا جيدًا، اسمه سيطرة النموذج الجديد
(إلى حين) أو ما اصطلح على ترجمته بالنموذج الاسترشادي[ii]، لكن هذا الأمر لم يأتِ
قَطُّ من فراغ.
وبحثًا عن هذا النموذج الاسترشادي الجديد للإبداع كان هذا الكتاب، الذي استغرقنا عمله خمس سنواتٍ كاملة، من أجل أن نغطي مساحة صغيرة من عالم الحداثة وما بعد الحداثة، والنموذج الاسترشادي الإبداعي الجديد الذي سيتغير ونحن نكتب هذا الكتاب. لقد أتاحتْ ما بعد الحداثة لكل فنان إمكانية أن يبني نموذجه الخاص به، وهذا النموذج متغير دائمًا، إنه يشبه قطعة الهُلام: ثابتٌ ومتحولٌ ومتحركٌ في آنٍ معًا، يشبه "سطح بحيرة" ثابتٌ لأنه نموذج لا بُدَّ من دراسته، ومتحول لأن ملامحه متغيرة، ومتحركٌ لأنه غير مستقر عبر الزمن. لقد لعب الزمكان لعبته عبر التاريخ فيما يتعلق بالمعرفة الإنسانية ككل، لكنها كلها - وبلا استثناء - متحولة، ومتحركة، وهي ضد أي مفاهيم جامدة أو مقولبة، لقد تعلمنا أن كل قالب لن يصمد أمام الزمن، بقي فقط الجمال، هذا الجمال على الرغم من قواعده الصارمة إلا أنه أيضا نسبي بين الشعوب، تفرض القيم المحلية جمالها الخاص، الذي عبرت به الزمكان في بسيلها إلى توحيد القيمة، وحين نرى جيدا، سنستطيع أن نتفهم ونفهم لماذا كان هذا الجمال الإنساني الخالد، وهو ما يؤدي دائمًا إلى إنتاج جديد في الفن والعلم والأدب.
[i] ولد الفنان التشكيلي المصري
حسن سليمان في 17 سبتمبر 1928 في حارة طه السيوفي، وهي إحدى الحارات الشعبية بين
غمرة والسكاكيني في القاهرة، لأسرة مثقفة. في طفولته، كان يعشق
الآثار القديمة والتماثيل، بعد أن شاهدها ولمسها في منزل خاله أحمد فخري أحد علماء الآثار والمصريات، الذي كان يصحبه كثيرًا إلى الأماكن الأثرية، حثّهُ والده على دراسة
الفنون الجميلة، رغم ذلك كان يتمنى أن يلتحق بكلية الآداب في قسم اللغة
الإنجليزية، لكنه التحق بكلية الفنون الجميلة عام 1947 بعد أن رسم تمثال يوليوس قيصر بالفحم، وحصل على شهادة البكالوريوس من قسم التصوير عام 1951. أكمل بعد ذلك دراسته في أكاديمية بريرا في ميلانو
عام 1966، وعمل مدرسًا في المعهد العالي للسينما، ومدرسًا في كلية الفنون الجميلة،
ثم أستاذًا للدراسات العليا في جامعة بلاكسبورغ في ولاية فرجينيا. ومن أهم مؤلفاته: "حرية
الفنان"، و"سيكولوجية
الخطوط"، و"كتابات في
الفن الشعبي".
[ii] ورد
المصطلح في:
تشيلد، جوردون. تقدم
الإنسانية. ترجمة محمد السيد غلاب. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1997.
Comments
Post a Comment