الفصل الأول : الابعاد التاريخية للحداثة :
الأبعاد التاريخية للحداثة
في معنى الحداثة:
الحداثة وما بعد الحداثة، وما بعد البنيوية، وما بعد التفكيكية،
وصولًا إلى ما بعد الاستعمار، وما بعد ما بعد الحداثة - وكل "ما بعد
حداثة" جديدة ستظهر - تدين كلها في جوهرها إلى كلمة الحداثة التي سطعت في
نهاية القرن التاسع عشر، معلنة أخيرًا عن تحريك السطح الجامد للبحيرة الإنسانية
والثقافية تقريبًا منذ مئات السنين.
الحداثة في جوهرها هي
حركة نخبوية، اختراع غربي، يملؤه كثيرٌ من شبهات الفكر الاستعماري في نظريةٍ ما
بعد الاستعمار التي سنناقشها في عمل آخر. امتدت آثار الحداثة البيضاء (نسبةً
للإنسان الأبيض، نتيجة المد الاستعماري في القرنين التاسع عشر والعشرين) لكل دول
العالم. ويمكن القول أيضًا أن الحداثة هي حركة متمازجة الاتجاهات منها الاقتصادي
والسياسي والاجتماعي والتكنولوجي بجانب ما اعتدنا على إلصاقه بالحداثة من أعمدة
الثقافة والأدب والفن، ببساطة كانت الحداثة تعبيرًا عن الحاجة لعالم جديد. ويمكن
القول أيضًا إنها نشأت نتيجة تحولات واسعة في المجتمع الغربي أواخر القرن التاسع
عشر وأوائل القرن العشرين، لكن الملحوظ أن هذا التغيير كان مرتبطًا بالتطور
التكنولوجي، وكانت فكرة المعرفة ما زالت بعيدة، غير أنَّ التكنولوجيا والمجتمعات
الأكاديمية كانت تُمهِّد الطريق إليها، والحروب أيضًا. كما كان النموذج الغربي
السائد، وكانت لفظة التحديث تطلق في دول العالم كلها على النموذج الغربي الذي يجب
أن يَحتذي به الجميع، وكانت تلك أكبر أخطاء الحداثة وأول معاول هدمها بعد ذلك
بعشرات السنوات.
عكست حركة الحداثة
الرغبة في إنشاء أشكال جديدة من الفن[i]
والفلسفة والتنظيم الاجتماعي والتي بدورها عكست الروح الجديدة للعالم الصناعي
الناشئ حديثًا، بما في ذلك قضايا مثل: التحضر، والعمارة، والتقنيات الجديدة،
وأخيرًا الحروب.
لقد حاول الفنانون
الابتعاد عن الأشكال الفنية التقليدية التي اعتبروها قديمة بالية أو عفا عليها
الزمن. كان الأمر أو الشعار الذي أطلقه الشاعر عزرا باوند[ii]
إلى كل المبدعين عبر العالم في مقولته الشهيرة عام 1934 "اجعله جديدًا"
هو حجر الزاوية في نهج الحركة الحداثية في العالم، على الرغم من أن بواكير الحداثة
نفسها تعود إلى نهايات القرن التاسع عشر.
كما لا ينبغي أن تكون
هناك ضرورة للمجادلة بأي شكلٍ في أنَّ شعار "اجعله جديدًا" هو الأكثر
فائدة دائمًا من بين جميع التعبيرات الحداثية لقيمة الجِدَّة التي تبلورت وتحققت
فيه. من الجدير بالقول إن هذه الكلمات الثلاث تلخص معظم ما ترمز إليه الحداثة: "باختصار،
اعتبر الحداثيون نداءَ عزرا باوند الشهير "اجعله جديدًا!"... كأنه تقريبًا
"واجب مقدس"، إن لم يكن أمرًا مقدَّسًا بالفعل.
استخدم علماء بارزون
في مجال النقد والإبداع - رغم اختلافهم التام عن بعضهم البعض - هذه العبارة لتوضيح
نقاط مختلفة حول الحياة الحديثة أو الفن أو الأدب، وقد تم استخدام شعار باوند
غالبًا بعد ذلك دون إشارة محددة إليه. لكن ربما يكون هذا تكريمًا إضافيًّا لتأثيره،
حيث أصبح الشعار منتشرًا في كل مكان[iii].
حتى وقت قريب، كانت
كلمة "حديث" Modern تستخدم للتعبير
بشكل عام عن "المعاصر"، كما يمكن القول أيضًا إن كلَّ فنٍّ كان
"حديثًا" في الزمن الذي ظهر فيه.
يقول
الكاتب والمصور الإيطالي سينينو سينيني[iv] في كتابه "دليل
الحرفي" الذي كتبه في القرن الخامس عشر، وفي إشارة منه للفظ الحداثة، "
كيف أن جيوتو صنع رسومًا حديثة". كما أشار جيورجيو فاساري في كتابٍ
يعود للقرن السادس عشر إلى المفهوم ذاته، قائلًا "إن كل فن في زمنه يعد فنا حديثا".
يمكن
الادعاء بأنه في تاريخ الفن يُستخدم مصطلح "حديث" Modern ليشير
إلى الفن الذي وقع في الفترة ما بين 1860 و1970، ويصف أسلوبَ وفكرَ الفن الذي
أُنتج خلال تلك الحقبة. وهذا ما يمكننا اعتباره تعريفًا محددًا يستخدم للتعبير عن
"الحديث" وذلك عندما يتحدث الناس عن "الفن الحديث". كما أن
مصطلح الحداثة Modernism يستخدم
كإحالة للفن في الفترة الحديثة، وبشكل أكثر تحديدًا يستخدم مصطلح
"الحداثة" كإحالة لفلسفة الفن الحديث.
في
عام 1984 ألقت سوزي جابليك سؤالًا ضخمًا وضعته عنوانًا لكتابها: "هل سقطت
الحداثة؟". فهل كانت تعني أن سقوط الحداثة يعني ببساطة وصولَها إلى محطة
النهاية؟ أم كانت تعني أن الحداثة فشلت في إنجاز شيءٍ ما؟ أم كان الافتراض من هذا
السؤال الأخير أن للحداثة أهدافًا ما، وأنها فشلت في تحقيقها؟ وإذا كان الأمر كذلك،
فما هي هذه الأهداف؟
لأسباب
سوف تتضح فيما بعد، فإن المناقشات حول الحداثة في الفن قد صِيغت على نطاق واسع
بمصطلحات شكلية وأسلوبية. فمؤرخو الفن، على سبيل المثال، اتجهوا إلى تناول التصوير
الحديث، وركّزوا على جودة الألوان، والشكل، والخطوط المنظمة والتعبيرية، وبمرور
الوقت تعلّق الأمر أكثر بـ"التسطيح" و"تراجع الاهتمام بالموضوع
الفني".
من
المتفق عليه، وفقًا للمراجع، أن الحداثة ظهرت حوالي عام 1860، وأن المصوّر الفرنسي
إدوارد مانيه هو أول فنان حداثي. فلوحته المسماة إفطار على العشب ولوحته أوليمبيا
بشّرَتا بحقبة الحداثة[v].
إن
تاريخ الفن الحديث مشبَع باللوحات التي غيّرت الطريقة التي نتصوّر بها المجتمع؛
على سبيل المثال كسر الأشكال والموروثات وأنماط السلوك التي اعتدنا عليها. ومع ذلك،
كان بعضهم جذريًا لوقتهم، وحتى اليوم يسبّبون ضجّة كبيرة. النموذج المثالي لمثل
هذه التحفة المحفورة هو لوحة إفطار على العشب أو مائدة على العشب Le Déjeuner Sur L'Herbe أو The Luncheon on the Grass by Édouard Manet.
تسبّبت
اللوحة في صدمة كبيرة بعد عرضها لأول مرة، واعتُبرت غير لائقة ومبتذلة، على الرغم
من أنّ كُتّاب ونقّاد الفن المعاصرين له دافعوا عن العمل.
في
الواقع، كانت اللوحة في نظر البعض عملًا شائنًا جدًا، تضرب على وتر التوتر الجنسي
والتفاعل الغريب معه، أو بالأحرى عدم وجوده، بين الموضوعات الرئيسية الثلاثة في
مقدمة اللوحة واللون الأبيض في الخلفية. تبدو الأنثى عارية بعيدة، ويتم عزلها
بطريقة أو بأخرى عن شخصين من الذكور. هناك العديد من التناقضات الموجودة في
اللوحة: المؤنث مقابل المذكر، والملبوس مقابل العارِي، واللون الأبيض مقابل لوحة
الألوان الداكنة. ومع ذلك، فإن الفرق الرئيسي بين الرجال والنساء يبدو جليًّا في
عزلتهم عن بعضهم بشكل أو بآخر.
وثمّة سؤال جوهري يبرز هنا أيضًا: لماذا رسم مانيه إفطار
على العشب وأوليمبيا؟ إن الإجابة المباشرة تتعلّق باهتمامه باكتشاف موضوع جديد
وقيم جديدة للتصوير، بالإضافة إلى إيجاد علاقات مكانية جديدة متعلقة أيضًا
بالتصوير.
لكن كان هناك سؤال أكثر أهمية بالإضافة إلى السؤال
السابق: لماذا كان مانيه مهتمًا باكتشاف موضوع جديد للتصوير، وقيم جديدة للتصوير،
وعلاقات مكانية جديدة؟ لقد أنتج تصاوير حداثية، ولكن لماذا رسم هذه الأعمال؟
عندما عُرضت إفطار على العشب في صالة عرض رفيوزيه
عام 1863، أصيب العديد من المشاهدين بالهلع، ليس فقط بسبب موضوع اللوحة الذي
يُبيّن رجلين بملابس عصرية يجلسان كيفما اتّفق على الحشائش في الغابة مع امرأة
عارية، ولكن أيضًا بسبب جلوسهم بطريقة غير اعتيادية كأنّ لا شيء يحدث.
وبمعنى آخر، تبدو المرأة شبه معزولة في اللوحة عن
الرجلين. وإذا بحثنا قليلًا سنعرف الكثير من الحقائق حول طريقة رسم هذه اللوحة؛
فاللوحة مُكررة بالاسم نفسه من قبل (1863)، فقد رسم كلود مونيه (1866) لوحة بهذا
الاسم، وكانت لوحة عادية وإن كانت تنتمي للمدرسة التأثيرية أو الانطباعية ككل
أعمال مونيه، أحد روّاد هذه المدرسة. وكان ذلك مقصودًا للسخرية من لوحة مانيه، لكن
ـ ويا للقدر ـ لم يحدث ذلك[vi].
كلود مونيه – إفطار على العشب (4متر*6 متر)
كانافاه – متحف دورساي – باريس (1865-1866)
بعد عامين من ذلك، أصيب الجمهور بصدمة أخرى بسبب
لوحة "أوليمبيا"، التي تُظهر امرأة عارية تحدِّق في المشاهد برباطة جأش،
وبشكلٍ أخلاقي (الأخلاقية هنا تعني عكس ما قد يتبادر إلى الذهن). وقد رُسمت اللوحة
بسرعة؛ فلم يهتم فيها مانيه بالتفاصيل أو باقتفاء أثر الأساليب الأكاديمية. فلماذا
إذًا كان مانيه مصرًّا على رسم صورٍ يعلم جيدًا أنها ستثير حنق المشاهدين؟
ببساطةٍ متناهية يمكن القول إنّه كان يحاول الإجابة
عن أسئلةٍ مثل هذه كي يُجبرنا على تبنّي منظورٍ أوسع بكثير في قضية الحداثة.
إدوارد مانيه - إفطار على
العشب
زيت على كانافاه - متحف
دورساي- باريس - (1863)
إدوارد مانيه – لوحة أوليمبيا
زيت على كانافاه - متحف دورساي- باريس (1865)
ومن ضمن هذا السياق الأوسع
نتمكَّن من اكتشاف الأسس التي تقوم عليها فلسفة الحداثة وتحديد أهدافها وأغراضها.
كما أنها ستكشف أيضًا عن الأبعاد الأخرى لهذا الإدراك للفن وتعريف فنان العالم
الحديث.
جذور الحداثة:
يحمل مصطلح الحداثة الكثير
من التطلعات الإنسانية عبر التاريخ، فكل عصر وُجد فيه الإنسان ووجدت فيه تطلعاته
نحو عصر أفضل يمكن أن نُطلِق عليه عصر الحداثة. انتقال الإنسان من الرعي إلى
الزراعة حداثة، ومن الزراعة إلى الصناعة حداثة، ومن الصناعة إلى المعلومات
والمعرفة حداثة. هنا تقف الثقافة والفن موقفًا آخر، يحاول أن يعمل على إحداث
التوازن بين عصر انتقال المجتمع اقتصاديًا وسياسيًا إلى انتقال ثقافي وفني يرأب
الصدع في القيم الإنسانية. هذا الصراع بين الثقافة والاقتصاد والتاريخ هو ما يُنتج
العمق الحداثي. بهذا التفسير، يمكن القول إن الحداثة وُلدت مع الإنسان وتاريخه
الذي يكتبه. البعض يعيدها إلى سنوات العصر الصناعي، والبعض يعيدها لمئات السنوات
التي مضت. وأيًا كان الموقف، يمكننا ولأغراض هذا الكتاب التعرف على جذور الحداثة
القريبة.
إن جذور الحداثة تقع في أعماق التاريخ، وليس في
منتصف القرن التاسع عشر. فمؤرخو العصر الحديث يبدأون عادةً من القرن السادس عشر،
وبداية ما يُسمّى الفترة الحديثة المبكرة، وما اصطلح على تسميته بعصر النهضة،
والتي تمتد إلى القرن الثامن عشر.
تظهر الأسس الفكرية للحداثة في عصر النهضة، وذلك من
خلال دراسة الفن والشعر والفلسفة والعلوم لدى الإغريق والرومان، حيث أعاد
الإنسانيون في اليونان وروما الحياة للإنسان كرمز بديل للإله. هذا الإنسان أصبح مقياسًا
لكل شيء، وتم تهيئته من خلال بث أفكار المواطنة والوعي المدني التي زُرعت فيه إبَّان
فترة التعليم.
كما عززت تلك الفترة في
التاريخ الإنساني رؤى "اليوتوبيا" أو المدينة الفاضلة، كنايةً عن الرغبة
في الوصول إلى المجتمع الأمثل، بدايةً من السير توماس مور[vii]
في رائعته "اليوتوبيا" عام 1516، والتي وصف فيها
مجتمعًا مثاليًا يحيا على جزيرة. هذه المثالية تبدو واضحة في نظامه السياسي
والقانوني والاجتماعي.
أيضًا، وبأثر رجعي، يمكننا
في عصر النهضة ملاحظة التعبير الإنساني لهذه الثقة الحداثية في شكل البشر وأقدارهم
الخاصة ومستقبل العالم. كما يُعرض لإيمان الإنسان بقدرته على التعلم وفهم الطبيعة
والقوى الطبيعية، وحتى فهم طبيعة الكون.
إن تفكير الحداثي Modernist، والذي
امتزج بعصر النهضة، بدأ يأخذ شكلًا كنموذج أكبر للفكر في القرن الثامن عشر. وربما
يجب أن نشير إلى ما يُعرف بـ"معارك القدماء مع الحداثة"، حيث بدأ النزاع
الأدبي والفني المسيطر على الحياة الفكرية الأوروبية في نهاية القرن السابع عشر
وبداية القرن الثامن عشر.
الفكرة الأساسية في نقد الحداثة منذ
القرن الثامن عشر كانت تتلخص في اتهام كل جديد بأنه مزيف، وأن كل قديم هو الأصل الذي يجب السير على منواله. هذا المفهوم كان يقف دائمًا سدًّا منيعًا نحو
التطور. وكان صلب الموضوع هو قضية ما إذا كان التحديث (مثل الكتّاب والفنانين
المعاصرين) أخلاقيًا وفنيًا متفوقًا على القدماء (مثل الكتّاب والفنانين القدماء
الإغريق والرومان).
بمعنى آخر، كيف يمكن لكل جديد مزيف أن يحل محل الأصلي
القديم (وهي فكرة إنسانية تراثية بامتياز كامل)؟ كانت هذه ضربات قوية لمفهوم
الحداثة في ذاته. وقد عُرضت هذه الفكرة للمرة الأولى على يد السيد "شارل
برو"[viii]، الذي دعم مفهوم التحديث
في فرنسا عام 1687، وقد امتدت الفكرة بعد ذلك إلى إنجلترا حيث هجاها جوناثان سويفت[ix] في كتابه "معركة
الكتب" The Battle of the Books.
كما تم هجاؤها أيضًا في مطبوع بعنوان "معركة الصور" The Battle of the
Pictures لوليم هوغارث، والذي يظهر أعمالًا أصلية
تعود لعصر النهضة والباروك تهاجم الأعمال الخاصة بهوغارث المساوية لها، ولكن بشكل
أكثر عصرية. وعلى سبيل المثال، فإن اللوحة الأصلية التي بعنوان "تائب مريم
المجدلية" Penitent Mary Magdalen تهاجم المشهد الثالث في سلسلة
أعمال هوغارث المعروفة باسم "تقدم هارلوت"، بينما تهاجم اللوحة القديمة
"عيد الإله" المشهد الثالث من عمل هوغارث "تقدم الخليع"،
وهكذا.
نقش
ويليام هوغارث عمله "معركة الصور" The Battle of the
Pictures في الأصل لتمثل بيانًا لهوغارث حول طبيعة الفن والقيم الجمالية.
كما أنه كان يقدم تعليقًا لاذعًا على دور المزادات التجارية، والمؤسسات التي أصبحت
أخلاقياتها مشبوهة اليوم كما كانت في القرن الثامن عشر. حيث تظهر دار المزاد على
اليسار، بينما يظهر صدع بشكل رمزي على جداره الأمامي، وعلى جانب الباب الرئيسي
توجد لوحة مؤطرة بشكل مبالغ فيه، بينما تقف أمام دار المزاد صفوف طويلة من الصور.
الصور الأولى منها أصلية، ولكن جميع النسخ الأخرى هي نسخ عن الأصل أو نسخ مزيفة،
في حين يظهر استوديو ويليام هوغارث على اليمين. تظهر على الحامل لوحة "الزواج
على نمط الحياة"، كما تظهر لوحات أخرى من مواقيت اليوم الأربعة (أو الصباح)،
ولوحة "تقدم هارلوت"، ولوحة "تقدم الخليع"، ومجموعة من
اللوحات الرئيسية القديمة، مثل تمثيلات القديس فرنسيس وماري المجدلية، تقود هجومًا،
وبعضها يطعن في لوحات هوغارث التي فاق عددها عدد أي صور أخرى مقلدة. وفي
"معركة الصور" يخوض هوغارث معركة خاسرة ضد الفن السيئ. قام ويليام
هوغارث بتصميم وحفر هذا النقش الأصلي، وأصدره ويليام هيث في عام 1822.
لوحة
وليم هوجارث معركة الصور، والتي رسمت عام 1743 ونشرت عام 1833
وهكذا
عُولج الأمر بكثير من الفكاهة والسخرية من قبل كل من سويفت وهوجارث[x]، لكن معركة القدماء مع
الفنانين الحداثيين استرعت اهتمامًا أعمق، مما حرض السلطات المؤسسية، التي كانت
مدعومة بحزم من التقاليد الراسخة والعرف والقانون والنسب، ضد تقدمية الأفراد. فتظل
القيود التي تفرضها السلطة على حياتهم وعلى المجتمع باقية للأبد. أظهر هذا الصراع انشطارًا
مهمًا، والذي ظل أساسيًا لقضية الحداثي: الفصل بين القوى المحافظة التي تفضل دعم
القدماء، والقوى الأكثر تقدمية التي تقف بجوار كل ما هو حديث.
في القرن الثامن عشر، كان من نتائج التنوير الذي حدث نضوج فكر "الاعتقاد
الإنساني" كسبب وكمبدأ توجيهي أساسي في شؤون البشر. ومن خلال هذا السبب قام
العقل بتطبيق أفكار التنوير، ولتنوير العقل كان كل شيء جديدًا، وتم فتح عالم مثير
على مصراعيه.
كان التنوير حركة فكرية، وكان الملاصق لها على التوازي ما يُعرف
بالثورة العلمية في القرنين السادس عشر والسابع عشر (16 و17)، حين قدم رجال مثل
يوهان كبلر، وجاليليو جاليلي، وإسحق نيوتن أعمالًا سحبت الفكر الإنساني من دياجير
الظلام إلى هضاب النور، من خلال إعمال العقل في دراسة طبيعة العالم، مما ساعد على
تقديم اكتشافات علمية مذهلة، والتي كشفت بدورها عن حقائق علمية متعددة.
غالبًا ما حلقت هذه الحقائق الجديدة في وجه
المعتقدات التقليدية المتوارثة، خاصة تلك المعتقدات التي بنتها الكنيسة. وعلى سبيل
المثال، وعلى عكس ما أصرت عليه الكنيسة لقرون، كحقيقة دوران الأرض حول الشمس.
الفكرة هنا أن الحقيقة يمكن أن تُكتشف من خلال إعمال العقل وبناءً على دراسات
منطقية للغاية.
إن مفكر القرن الثامن عشر المنفتح العقل آمن بأن كل شيء يمكن أن يخضع
لقانون التفكير العلمي: العادات والتقاليد، والأخلاقيات، وحتى الفن. وأكثر من هذا،
فقد شعر بأن الحقيقة التي يتم الكشف عنها يمكن تطبيقها في السياسة والبيئة
الاجتماعية لتصحيح المشاكل وتحسين الظروف السياسية والاجتماعية للنوع الإنساني.
هذا الشكل من التفكير تنامى إلى أن أصبح بالإمكان إنشاء مجتمع جديد أفضل.
إن الحقيقة العقلانية التي كشفها التفكير العلمي يمكن أن تحرر الناس
من هزات المؤسسات الفاسدة مثل المؤسسة الدينية، كالكنيسة والمعبد، والتي تقوم
بإعادة توجيه سيء للأذهان وتعزيز الأفكار القديمة والمحافظة على إخضاع الناس
بالجهل والخرافة. لقد أصبح مفهوم الحرية مركزيًا لرؤية المجتمع الجديد. ومن خلال
الحقيقة والحرية، يمكن أن يُبنى العالم بشكل أفضل.
لقد صور التفكير التنويري الجنس البشري على أنه يقاتل في سبيل تحقيق
الذات العالمية الفكرية والأخلاقية. لقد كان من المعتقد أن التفكير العقلي يمكن أن
يسمح بالوصول إلى الحقيقة، وأن معرفة الحقيقة سوف تحسن من أداء ووجود الجنس البشري.
هذه الرؤية التي بدأت تأخذ ملامحها في القرن الثامن عشر ترى أن العالم
الجديد هو عالم أفضل. في عام 1762 كتب جان جاك روسو كتابه
"مسألة في طبيعة العقد الاجتماعي"، وقد قال بأن النظام الاجتماعي الجديد
يجب أن يُبنى على مفهوم المساواة من الناحيتين الأخلاقية والقانونية، وأن هؤلاء
البشر غير المتساويين في القوة أو الذكاء يتمتعون في ذات الوقت بالمساواة مع
أقرانهم بقوة الحقوق القانونية والاجتماعية. وباجتماع البشر تحت مظلة المجتمع
المدني بقوة العقد الاجتماعي فإنهم يحمون أنفسهم ويحافظون على حرياتهم. هذا
الاتجاه الأساسي كان رمزًا بالغ الأهمية للحداثة.
مثل هذا الإعلان عن دعم الحرية والمساواة لم يكن مجرد كلام في كتاب.
ففي القرن الثامن عشر حدثت محاولتان أساسيتان لوضع هذه الأفكار موضع التطبيق.
بالطبع، لم تكن مثل هذه الأفكار شائعة بسبب عوامل المحافظة والتقاليد المتوارثة في
المجتمعات، وقد حدثت مقاومات بأشكال متعددة ضد هذه الأفكار، وصلت إلى حد الثورة
الدموية.
بدأت التجربة الأولى الكبيرة في بناء مجتمع جديد وسام مع ظهور وثيقة
إعلان الاستقلال في الولايات المتحدة عام 1776. لقد كان نوعًا من التفكير التنويري
الذي تبدأ كلماته بمثل هذه العبارة: "إننا نقدم هذه الحقائق البديهية"،
وتتبعها العبارة الرمزية التي تقول: "إن كل البشر وُلدوا متساوين". لقد
كانت الوثيقة تعكس نزوعًا من القلق الإنساني على حقوق الإنسان، فتؤكد على حق
الإنسان في السعادة في حياته، وهي تعكس أيضًا نقلة هائلة من مركزية الإله في
العقيدة المسيحية والتركيز على ما بعد الحياة الدنيا إلى التركيز على الإنسان
الفرد ونوعية وجودة الحياة المطلوبة له. من العناصر الأساسية التي عكستها أيضًا
الحرية كرمز، حيث أُعلنت في الوثيقة كواحدة من حقوق الإنسان غير القابلة للتصرف.
في عام 1789، حدثت ثورة دموية في فرنسا حاولت بناء مجتمع جديد، وكان
هدفها أن تزيح البنية القمعية الحكومية التي تتمحور حول الملكية المطلقة
والأرستقراطية العاتية مع الامتيازات الإقطاعية، بالإضافة إلى رجال الدين
الكاثوليك الأقوياء، وأن تحل محل كل هؤلاء مبادئ التنوير الجديدة المكونة من
المواطنة والقومية والحقوق غير القابلة للتصرف. هنا احتشد الثوار مطلقين صرخة
المساواة والإخاء والحرية.
على أية حال، فشلت الثورة الفرنسية في بناء مجتمع جديد تقدمي في
فرنسا. فقد حدثت العديد من التغييرات في النظام، بلغت ذروتها في الدكتاتورية
العسكرية لنابليون، وإنشاء الإمبراطورية النابليونية، وأخيرًا استعادة النظام
الملكي في عام 1814. تواصل النشاط الثوري حتى 1830 ومرة أخرى عام 1848. ويجب أن
نذكر هنا المحاولة الثالثة لبناء مجتمع جديد مبنٍ على أفكار تنويرية عظيمة، والتي
أخذت مكانتها في بداية القرن العشرين، وهي الثورة الروسية التي بدأت عام 1915، لكن
هذه الثورة، التي تعد الأكثر مثالية ويوتوبية بين ثورات العالم الحديث، أيضًا فشلت
في تحقيق أهدافها.
إن جذور الحداثة موجودة ومتحققة في المثل العليا لعصر التنوير، وهناك
سنجد دورًا جديدًا للفن والفنان. ببساطة، يمكننا القول بأن الهدف الأسمى للحداثة
والفن الحديث هو بناء مجتمع أفضل.
ما الوسائل التي ساعدت على الوصول إلى هذا الهدف؟ إذا كانت الرغبة في
القرن الثامن عشر إنتاج مجتمع أفضل، فكيف كان هذا ليتم؟ كيف يمكن للمرء التوجه نحو
إنتاج جنس بشري كامل ومتقن وخلق عالم أفضل؟
فكما رأينا، كان الاعتقاد السائد في القرن الثامن عشر بأن العقل
المتنور فقط هو الذي يستطيع الوصول إلى الحقيقة، وكلا من التنوير والحقيقة اكتشفا
من خلال إعمال العقل في المعرفة، وهي عملية خلقت معرفة جديدة. وهكذا حصل الإنسان
على المعرفة وفي نفس الوقت حصل على أدوات اكتشاف الحقائق من خلال التعليم والتدريب
المناسب.
ومن خلال تطهير الفساد الكامن في الدين والأيديولوجية السياسية عبر
التفكير العقلاني العلمي، والتعليم، الذين قدما لنا بدورهما الحقيقة وبينا لنا كيف
يمكن الوصول إليها، قام التعليم بتنويرنا وجعلنا أناسًا أفضل من السابق. الأناس
المتعلمون والمتنورون سوف يقومون بتشكيل مؤسسات المجتمع الجديد، المجتمع الذي
سيعيدون بناؤه من خلال جهودهم في هذا السبيل.
وحتى وقت قريب، ظلت هذه الفكرة في دور التعليم أساسية وحاسمة في تفكير
الحداثي الغربي والمفكرين المتنورين. وربما هنا علينا أن نشير، على سبيل المثال،
إلى توماس جيفرسون، الذي قدم لنا نموذجًا عن المتابعة المستمرة للمعرفة وغربلة
معرفة الحقيقة عن طريق إخضاع كل ما تعلمه إلى التحليل المتروي. وبالطبع، فإن
جيفرسون لم يجنِ فقط وبوعي تنويره الخاص، ولكنه أيضًا ساعد بنشاط في تعليم الآخرين،
مؤسسًا صرحًا أكاديميًا في شارلوت سفيل باسم "القرية الأكاديمية"، التي
أصبحت فيما بعد تعرف باسم "جامعة فيرجينيا". لقد آمن بأن البحث عن الحقيقة
يجب أن يتم دون تدخل الكنيسة، وإن كان لم يضع – ولم يكن متعمدًا – مصلى للكنيسة
داخل الحرم الجامعي. إلا أنه كان يرى أن الأفق الضيق للكنيسة يجب أن يبقى بعيدًا
عن التعليم وليس عن الدولة فقط.
جيفرسون، مثل الكثير من المفكرين المتنورين، رأى دورًا واضحًا للفن في
العمارة، فالفن والعمارة يمكنهما أن يخدما في عملية تعليم التنوير بتوفير نماذج
لهذه النوعيات وفرضيات يمكنها أن تقود العقل المتنور.
في النصف الأخير من القرن الثامن عشر، كان النموذج المثالي في المجتمع
الجديد موجودًا في روما القديمة وفي بلاد الإغريق. كانت فترة أثينا في عهد بريكليس
والجمهورية الرومانية تقدمان نماذج لطيفة لدمج مبادئ الديمقراطية في الحكومة
والأنشطة الخيرة وإنكار الذات والتعاليم المدنية، وكانت كل هذه النماذج ملحوظة في
سلوك مواطنيهم.
في الحقيقة، كان من المعتقد، وطبقًا للقدماء في معاركهم مع الحداثيين،
وهو ما ذكر مؤخرًا، أن القدماء قدموا للعالم نوعًا من الكمال، نوعًا من المثالية
اقتربت من الفهم المتنور للحقيقة. إن مؤرخ الفن الألماني يوهان وينكلمان كان على
قناعة بأن الفن في اليونان القديمة كان الأكثر مثالية، ووجه فنانينا المعاصرين إلى
نماذج قاطعة مثل تمثال أبولو الرخامي.
تمثال أبوللو
نسخة رخامية من التمثال الأصلي المصنوع من البرونز تعود لعام 330 ق.م.
(متحف الفاتيكان، روما)
في
مثل هذه الظروف، أتى جاك لوي دافيد لدهان اللوحة المعروفة باسم "قسم
هوراتي"[xi]،
والمعروضة في المعرض عام 1785. وقد فضّل دافيد استخدام الأساليب الكلاسيكية
والأكاديمية في ذلك. وتصور اللوحة لحظة إثارة في قصة بطولية من الشجاعة والوطنية
والتضحية بالنفس في روما ما قبل الجمهورية. حيث يُلاحظ هذا التمثال الذكوري الثابت
الذي يقف في شمال اللوحة ويمثل الفضائل الإنسانية النبيلة. إن حركاتهم المشدودة
والممتلئة بالطاقة والحيوية، والتي تعبر عنها أجسادهم وملامح وجوههم، تتعارض مع
الحواف الدائرية والانهيار الشكلي للنساء اللواتي يقفن على اليمين، واللواتي يهيمن
عليهن العاطفة والحزن، مما يعكس الضعف في الطبيعة الأنثوية. كان ذلك عملًا عظيمًا
وهائلًا يعالج مفهوم الشرف والموعظة.
جاك لوي دافيد، قسم هوراتي أو قسم الأخوة هوراس[xii]
1785، زيت على كانافاه – متحف اللوفر بباريس – في الصالة 75
جزء من لوحة قسم هوراتي لجاك لوي دافيد
جزء آخر من لوحة قسم هوراتي لجاك لوي دافيد
لقد رأى دافيد دور الفن في بناء المجتمع الجديد بعبارات لا لبس فيها.
وكداعم نشط للثورة الفرنسية، كان عضوًا في اللجنة الثورية للتوعية الشعبية، حيث
شرح ذلك قائلًا إن اللجنة: "اعتبرت الفن غايته الاحترام، حيث إنه منوط به نشر
التقدم في الروح الإنسانية، وبثه ونقله إلى الأجيال القادمة، ومثال هائل على
الجهود السامية لشعب عظيم، مسترشدًا بالعقل والفلسفة، واستعادة الأرض إلى عهد من
الحرية والمساواة والقانون. كما يؤكد بشكل قاطع على أن "الفنون هي التي تشكل
الوعي العام".
وفيما يتعلق بالتطاحن بين القدماء والحداثيين، كان دافيد داعمًا
ومؤيدًا للقدماء، فقد كان يتصور مجتمعًا جديدًا يقوم على المثل المحافظة. في
المقابل، كان هناك فنانون آخرون، يمكن أن نطلق عليهم الحداثيين، الذين كانوا يرون نظامًا
عالميًا جديدًا أكثر تقدمًا. يقدمون تصورًا جديدًا تمامًا، وليس تصورًا مبنيًا على
فكرة مجرد تقليد النماذج القديمة. ومع ذلك، كانت مشكلة الحداثيين هي أن العالم
الذي يدعون إليه كان شيئًا لا يمكن معرفة كنهه الحقيقي. وكانت طبيعة
"الحقيقة" تمثل إشكالية عميقة منذ البداية، وتلك المعضلة حول طبيعة
البشر الذين يملكون ليس فقط العقل الرشيد المنفتح على فكرة العقلانية (السببية)
ولكن أيضًا الحياة العاطفية التي كان لا بد من أخذها في الحسبان.
كان هناك إحساس غامض بأن السبب يرجع لرغبة في خنق الخيال، ولكن دون
الخيال لن يتم إحراز أي تقدم. إن فكرة السببية وحدها تبدو لا إنسانية، ولكن الخيال
من دون عقل يمكن أن "ينتج وحوشًا" (انظر لوحة فرانسيسكو ديغويا "فينومال
عقل ينتج وحوشًا" في الصفحة التالية). وعلى الرغم من الاتفاق على أن الحرية
أمر جوهري ومركزي، إلا أنه من المقرر أن تُختبر هذه الحرية من خلال ممارسات جادة
في العالم المعاصر.
بعد الثورة عام 1798، تم الكشف عن علاقة القدماء بالنظام السياسي
السابق، النظام القديم كما يُدعى. وتم دمغهم سياسيًا باسم المحافظين، ويقومون
بتقديم نوع من الفن يُطلق عليه أكاديميًا اسم الكلاسيكية الجديدة.
من الناحية الأخرى، أُطلق على الحداثيين اسم التقدميين أو الجناح
اليساري، وبمعنى ثوري آخر يرتبط بالحركة المضادة للأكاديمية التي تسمى
الرومانتيكية. إن طبيعة هذا التقسيم يمكن رؤيتها في جلالها في تصاوير وأعمال
الفنان الكلاسيكي جان أوجست دومينيك لنجريه، والرومانتيكي أوجين ديلاكروا.
فرانشيسكو دي جويا
نوم العقل يخلق وحوشا[xiii]
رسم رقم 43، نقش بالألوان المائية - 1796-1797
في
معرض صالون عام 1824، عرض لنجريه لوحته المسماة "عهد لويس الثالث عشر"،
وعرض ديلاكروا لوحته المسماة "مسلخة جزيرة خيوس" اليونانية. في مقالته
الاستعراضية للمعرض في مجلة "محاورات" Débats، وصف الناقد إتيان جان دو لا كروز عمل لنجريه بـ (الجميل)، لأنه
في كل من الأسلوب والموضوع خضع للنظرية الأكاديمية الكلاسيكية، واتبع نمطها، وروّج
للجناح اليميني في الفن والقيم المحافظة للنظام القديم. في المقابل، وصف عمل
ديلاكروا بـ(القبيح) بسبب الطريقة التي تم رسمه بها، مع ضربات فرشاة فضفاضة،
وشخصيات غير مثالية، وطبيعة موضوعه المتعلق بذبح الآلاف من السكان اليونانيين في
جزيرة خيوس من قبل الجنود الأتراك عام 1822. ليس فقط لافتقاره إلى النموذج في
البسالة والفضيلة، ولكنه أعرب أيضًا عن انتقاده بشكل أكثر ليبرالية للحدث، واجتاح
الغضب الأخلاقي ضده في العالم المعاصر.
ج.أ.د. لنجريه. عهد لويس الثالث عشر
1824، زيت على كانافاه، متحف اللوفر – باريس
أوجين ديلاكروا، مسلخة خيوس 1824،
زيت على كانافاه – متحف اللوفر – باريس
بالنسبة للمحافظين، فقد قام لنجريه بتمثيل النظام، بقيمه وتقاليده،
وكل العهد الرائع الماضي للنظام القديم، بينما رأى السياسيون التقدميون أن ديلاكروا
يمثل الحياة المعاصرة أو الحديثة. لقد كان مرتبطًا بالثورة السياسية، ووجهة النظر
الفكرية التقدمية الجديدة، وذهب مؤيدوه إلى أنه أقام فكرة الحرية في الفن.
لقد كان ديلاكروا أول فنان حداثي تقدمي في فرنسا. فقد رفض بشكل متعمد
عبر لوحاته النموذج الأكاديمي للجمال وصلابته، وبجانب ذلك، في وجهة نظر المحافظين
النقدية له، وضع الأساس لعبادة القبح. فيما ظهر فنانون يتوافقون مع نفس الفكرة مثل
جوستاف كوبريه وإدوارد مونيه. فكلاهما رفض متعمدًا أيضًا
النموذج الأكاديمي للجمال. فقد كان منهجهما وأفكارهما في الفن تُنظر إليها على
أنها مخربة، واتُهما بمحاولة ليس فقط هدم الأكاديمية، ولكن الدولة أيضًا.
إن التهديد لمفهوم الحداثة التقدمية في الفن أتى من الدولة نفسها، ففي
المعرض العالمي بباريس عام 1855 تم الشروع في برنامج لتحييد وعدم تسييس الفن.
وكانت الخطة في هذا المعرض هي تضمين معرض راجع يمثل مختلف الأشكال الفنية للفن في
فرنسا، بما فيها أعمال لنجريه وديلاكروا. وفي هذه الطريقة، التي أبرزت الانتقائية
وفي نفس الوقت أكدت على عدم تهديد اللوحات للأعمال الفنية، وبدعم من القوى
المحافظة وامتثالًا للنقاد ومؤرخي الفن التشكيلي والمعلقين السياسيين والاجتماعيين،
تم تجاهل الفنان الحداثي تمامًا، وجُردت لوحاته إلا من الطلاء والقماش، ونوقشت
الأعمال بسطحية متناهية من حيث صفاتها الشكلية لا أكثر ولا أقل.
في دليل المعرض العالمي لعام 1855، كان الأمير نابوليون جوزيف شارل
بول بونابرت رئيسًا للمعرض، وقد كتب عن لوحة ديلاكروا "الحرية تقود الشعب"
في 28 يوليو 1830: "لم تعد هناك حاجة لأي من المناقشات العنيفة والآراء
التحريضية حول الفن، وديلاكروا الرسام لم يعد تلك الشعلة الثورية، لكنه أصبح يحتل
مكانته في تاريخ الفن مثل لنجريه. وحسنًا فعل المعرض العالمي بوضع لوحاتهم جميعًا
بشكل جيد، بما فيهم ديلاكروا، وترك الحكم عليه وعلى الآخرين للمدارس الفنية
والمعلقين وفي أكاديميات الفن، شأنه شأن كل العباقرة والمبدعين."
أوجين ديلاكروا، الحرية تقود الشعب، 28 يوليو 1830
زيت على كانافاه (متحف اللوفر بباريس) 1830
وهكذا تحول ديلاكروا من "شعلة الثورة" إلى مجرد رسام. أيضًا،
فإن بعض الفنانين التقدميين مثل جوستاف كوبريه، استشعارًا منهم للكيفية التي ستوضع
وتعامل بها لوحاتهم في المعرض، رفضوا المشاركة، حيث بدا المعرض العالمي على نحو
فعال وسيلة لاحتواء نبضات الحداثة التقدمية وتحييد التهديد الذي تشكله بالنسبة
للروح المحافظة السائدة في المجتمع. وحتى وقت قريب، مثل ذلك ميزة منهجية للحداثة.
فالبيانات الاشتراكية التي أطلقها جوستاف كوبريه في لوحته "محطمو الأحجار"،
على سبيل المثال، شاركه التعليق السياسي عليها من قبل إدوارد مونيه في لوحته "إعدام
الإمبراطور ماكسيميليان" عام 1876، إلا أن ذلك تم قمعه والاستعاضة عنه
بمناقشات عامة تتعلق بالصفات الشكلية لكل عمل.
ولكن على الرغم من هذه المناقشات، التي قمعت بشكل متعمد طابعها الثوري
وقدرتها على المواجهة، فإن الحداثة التقدمية نفسها، كفكر وحركة سياسية، بقيت
ممتلئة بالحيوية والنشاط.
محطمو الأحجار - 1849-1850 زيت على كانافاه (تحطمت)
جوستاف كوبريه
[i] انظر في ذلك: الاستشراق في الفن
الرومانسي الفرنسي للدكتورة زينات بيطار. الكويت، المجلس الوطني للفنون والآداب،
1992. سلسلة عالم المعرفة: 157
[ii] عزرا ويستون لوميس باوند
(1885-1945) Ezra Weston Loomis Pound) شاعر وناقد أمريكي
مغترب، اعتبر أحد أهم شخصيات حركة شعر الحداثة في الأدب العالمي في أوائل وأواسط
القرن العشرين، مشاركته الشعرية بدأت مع تطور التصويرية، وهي حركة مشتقة من الشعر الصيني والشعر
الياباني وتشدد
على الوضوح والدقة مع الاقتصاد باللغة.. أعماله تضم: هجمات مضادة (Ripostes)
في 1912 وهيو سيلوين موبيرلي (Hugh Selwyn
Mauberley)
في 1920 و120مقطع ملحمي غير مكتمل بعنوان النشيد
The
Cantos من
1917-1969.
[iii] North, Michael. The Making of “Make It New”: Ezra Pound’s slogan was itself the
product of historical recycling, August 15, 2013. IN: The
Making of “Make It New” – Guernica (guernicamag.com)
[iv] سينينو سينيني (بالإيطاليةCennino d'Andrea
Cennini) ولد حوالي 1360م؛ وتوفى قبل 1427 م) هو رسام إيطالي عاش
في القرنين الرابع عشر والخامس عشر للميلاد في عصر النهضة
في أوروبا. تأثر سينينو سينيني بالفنان جوتو دي بوندوني،
وتتلمذ على يد أنغولو غادي
Agnolo Gaddi.
ولد سينيني في مدينة Colle di Val d'Elsa في توسكانا، وبعد أن أنهى تعليمه على يد أستاذه
أنغولو غادي في فلورنسا، عمل في بادوفا في بلاط أحد الأمراء، قبل أن يعود إلى
مسقط رأسه.
ينسب إلى سينينو سينيني
كتاب Il libro dell'arte،
أو كتاب الفن
والذي جمع فيه معلومات عن اللون
وأنواع فرشات الرسم وأدوات الرسم وكيفية الرسم
على ألواح الخشب، بالإضافة إلى معلومات عن التصوير الجصي.
[vi] هذه القطعة،
وهي جزء ثانٍ أيضًا في متحف دورساي Musée d'Orsay، هي واحدة من الأجزاء المتبقية من لوحة
"مأدبة غداء ضخمة على العشب" لمونيه. بدأ العمل في ربيع عام 1865، وكان
قياسه يزيد عن أربعة أمتار في ستة. كان القصد منه أن يكون تكريمًا وتحديًا للوحة
مانيه التي كانت رسوماتها تحمل العنوان نفسه، وكانت موضع سخرية من الجمهور وكذلك
النقاد عندما عُرضت في صالة عرض رفيوزيه Salon des Refusés في عام 1863.
لكن المشروع تم التخلي عنه في عام 1866، قبل افتتاح
الصالون الذي كان مونيه ينوي عرضه فيه. في عام 1920، روى الرسام نفسه ما حدث
للصورة: "كان علي أن أدفع الإيجار الخاص بي، وأعطيت اللوحة لصاحب المنزل
كضمان، وقام بلفها ووضعها في القبو. وعندما توفّر لدي ما يكفي من المال للحصول
عليها أخيرًا، مرة أخرى، كما ترون، فقد تعفن جزء منها". استعاد مونيه اللوحة
عام 1884، وقصها، واحتفظ بجزئين منها فقط، بينما اختفى الجزء الثالث الآن.
[vii]
السير توماس مور Sir Thomas More؛
(1478 - 1535) كان
قائدًا سياسيًا ومؤلفًا
وعالمًا إنجليزيًا عاش
في القرن 16. يتذكر عادة لمفهوم اليوتوبيا أو
المدينة الفاضلة في كتابه اليوتوبيا. وهو قديس حسب الكنيسة
الرومانية الكاثوليكية. عارض طلاق هنري الثامن لكاثرين
من آراغون، ورفض الاعتراف به كرئيس للكنيسة
الرومانية الكاثوليكية في إنجلترا، فحبس وقطع رأسه في برج
لندن.
ولد توماس مور في مدينة
لندن، وتلقى تعليمه في مدرسة القديس أنتوني. أصبح محاميًا ناجحًا. في عام 1501
عُين نائبًا لعمدة مدينة لندن، وبين 1510 إلى 1518. ألف كتاب «الإبجرامات أو
المقطوعة اللاذعة» (1505)، و«تاريخ الملك ريتشارد الثالث» (1513 - 1518)،
و«اليوتوبيا» (1516)، و«حوار متعلق بالبدع» (1529).
في عام 1517 أصبح
سكرتيرًا ومستشارًا للملك هنري الثامن. في عام 1523 انتُخب ناطقًا باسم مجلس
العموم. في عام 1529 أصبح وزيرًا للعدل، ولكنه استقال من منصبه في عام 1532 حينما
لم يقبل طلاق الملك هنري الثامن من كاثرين، كما رفض قبول قانون السيادة. في عام
1534 اتُهم بالخيانة العظمى، فُسِجِن في برج لندن، حيث كتب «حوار الراحة ضد
المحنة». وفي 6 يوليو 1535 تم إعدامه.
[viii] شارل
برو Charles Perrault؛
وُلد في باريس في يناير 1628 وتوفي عام 1703، وهو الذي وضع الحجر الأساس لنوع حديث
في الكتابة الأدبية وسماه بـ "الحكاية الخرافية". وأشهر ما كتب قصة
"ذات القبعة الحمراء"، وهي نفسها القصة التي نعرفها اليوم باسم
"ليلى والذئب"، وقد تم تعديل القصة على يد الكثير من الكتاب إلى أن
وصلتنا كما هي اليوم.
[ix] جوناثان سويفت (Jonathan Swift)
(1667 – 1745) مؤلف كتيبات سياسية أنجلو-أيرلندي هجّاء (كان عضوًا في حزب الأحرار
البريطاني أولًا، ثم حزب المحافظين)، وشاعر ورجل دين، أصبح لاحقًا عميدًا
لكاتدرائية سانت باتريك في دبلن، وأصبح لقبه منذ تلك اللحظة «العميد سويفت». يشتهر
سويفت بأعماله مثل «خرافة مغطس» (1704)، و«جدال ضد إلغاء المسيحية» (1712)،
و«رحلات غاليفر» (1726)، و«اقتراح متواضع» (1729). تعتبره دائرة المعارف
البريطانية (بريتانيكا) من أهم هجّائي النثر في اللغة الإنجليزية، وليس مشهورًا
عنه أنه شاعر. نشر جوناثان كل أعماله في الأصل تحت أسماء مستعارة أو بشكل مجهول.
كان متقنًا لأسلوبين في الكتابة الساخرة وهما: الهوراسي والجوفينالي (أدب
الأحداث). وقد كان أسلوبه التهكمي والجامد في الكتابة، لا سيما في عمله «اقتراح
متواضع»، سببًا لتسمية هذا الأسلوب في الهجاء "بالسويفتي".
[x] وليم هوجرت (William
Hogarth): (1109 – 1178هـ/
1697 – 1764م) هو مصور وحفار إنجليزي. نال ثروة وشهرة من أعماله في الحفر، وخاصة
تلك المجموعة بعنوان "سيرة العاهرة"، و"سيرة الفاسق"،
و"الزواج الحديث"، التي أبرزت مقدرته كناقد لاذع. كذلك، رسم مراحل
الوحشية الأربع، وهي سلسلة مكونة من أربع لوحات من النقوش المطبوعة. له أيضًا
رسومات تعليمية مطبوعة تحض على الإصلاح الاجتماعي، ولم ينلْ في حياته شهرة
باعتباره مصورًا، بالرغم من أنه قام بأعمال تصويرية ممتازة، منها لوحته
"بائعة الأربيان".
William
Hogarth. (2024, July 2). In Wikipedia. https://en.wikipedia.org/wiki/William_Hogarth
[xi] أما عن
الفنان جاك لوي دافيد (30
أغسطس 1748
– 29
ديسمبر 1825) (Jacques-Louis
David) كان رسامًا فرنسيًّا،
وأحد أبرز فناني المدرسة
الكلاسيكية الجديدة.
وُلد لعائلة باريسية من الطبقة المتوسطة في عام
1748. بعد أن اغتيل والده، عاش مع أعمامه. حين بلغ من العمر ستة عشر عامًا، درس
الفن في الأكاديمية الملكية (Académie Royale). في عام 1774 ربح جائزة روما، وبعد ذلك
سافر إلى إيطاليا حيث تأثر بالفن الكلاسيكي وبأعمال فنان القرن السابع عشر نيكولا
بوسان، ومكث هناك لستة أعوام. ابتكر دافيد أسلوبًا كلاسيكيًا جديدًا خاصًا به.
كان دافيد من الذين دعموا الثورة الفرنسية بشكل
كبير، فأصبح بعد ذلك رسام الثورة الرسمي. عمل دافيد على إحياء تقاليد الفن
الروماني، فقد كان التكوين في لوحاته يعتمد على قواعد هندسية صارمة، فكان الخط
وليس اللون موضع اهتمامه، وقد أنشأ دافيد "أكاديمية الفنون" التي كانت
ممثلة للذوق الرسمي للثورة الفرنسية وحاربت جميع الحركات الفنية الجديدة.
كان دافيد أحد أقرباء الفنان بوشيه الذي ساعده في
بداياته حينما كان تلميذًا لديه. من أشهر أعماله: "قسم القتال" (1784)،
و"موت مارات" (1793)، و"نساء سابين" (1799)، و"نابليون
عابرًا جبال الألب" (1801-1805). توفي عام 1825 في بروكسل. ومن تلاميذه
الفنان البلجيكي فرانسوا جوزيف نيفيز.
وذلك حسب موسوعة ويكيبيديا (النص الإنجليزي
والعربي) على الرابط التالي:
https://ar.wikipedia.org/wiki/جاك لوي دافيد
أما عن اللوحة، استمد دافيد موضوع هذه اللوحة من
حادثة ورد ذكرها في التاريخ الروماني القديم.
ففي حوالي نهاية القرن السابع قبل الميلاد، قرّر
أهالي كلّ من "روما" و"ألبا" أن يحسموا بشكل نهائي وبطريقة غير مألوفة
الصراع الطويل والمستمرّ بين الشعبين.
وقد استقرّ رأي الطرفين على أن ينظّموا مبارزة دامية يختارون لكلّ طرف فيها
أفضل ثلاثة مقاتلين لديه. وكانت
روما قد اختارت لهذه الغاية ثلاثة أشقاء من عائلة هوراتي، كبرى العائلات
الأرستقراطية فيها، بينما اختارت ألبا ثلاثة أشقاء من عائلة كورياتي المعروفة
بنبلها وعراقتها.
الجانب الميلودرامي في القصة، ولعله أهم عنصر فيها،
هو أن إحدى شقيقات الإخوة كورياتي، واسمها سابينا، كانت متزوجة من أحد الإخوة
هوراتي، وإحدى شقيقات الهوراتي، واسمها كاميليا، كانت مخطوبة لأحد الإخوة كورياتي.
في اللوحة، نرى والد الأشقاء هوراتي حاملًا بيده
حزمة من ثلاثة سيوف، ومحرضًا أبناءه على القتال بشجاعة واستبسال. نظرات الإخوة
الثلاثة تبدو مصممة، وأيديهم ممتدة بصلابة، بينما يعلنون ولاءهم لروما ويقسمون على
التضحية بحياتهم من أجل الواجب الوطني. جوّ المشهد يوحي بالرهبة، وما يعمّق هذا
الشعور طريقة الفنان البارعة في توزيع الضوء وتمثيل الظلال على امتداد مساحات
اللوحة.
هناك أيضًا تضادّ بين نوعين من الانفعالات
المتباينة كما يظهران على جانبي اللوحة. فإلى اليسار، لا يوحي المنظر سوى بالقسوة
والعنف والصرامة، فالأب يقف بملامح جامدة ونظرات باردة. إنه متحمّس جدًا للقتال
لدرجة أن الدم يكاد ينبجس من عروق ساقه النافرة، وواضح أنه غير مكترث كثيرًا
باعتبارات النسب والمصاهرة التي تربط بين العائلتين. وعلى الجانب الأيمن، تظهر
صورة للضعف الإنساني في أجلى صوره كما يمثله منظر النساء الباكيات الحزينات.
واعتمادًا على تفاصيل القصة، يمكن للمرء أن يتخيّل أن المرأة التي ترتدي الملابس
البيضاء هي كاميليا شقيقة الإخوة، وأن التي إلى جانبها هي زوجة أحدهم أي سابينا.
وفي الخلفية تظهر امرأة ثالثة بملابس سوداء تحتضن طفلين، ويبدو أن الأكبر منهما اكتسى وجهه
بعلامات الخوف والتوتّر. رسم
أكثر من فنّان هذه القصّة وتناولوها باعتبارها لعبة تنافُس على السلطة
والنفوذ بين أسرتين ارستقراطيّتين قرّرتا في النهاية التضحية بالمشتركات الإنسانية
وانتصرت فيها المصالح السياسية على مقتضيات الحبّ والعاطفة.
غير أن الفنان دافيد اختار، كعادته، أن يشحن القصة
بالتوتّر والفخامة، وأن يخلع عليها مضمونًا وطنيًا، ويضمّنها أفكارًا عن الاتّحاد،
وقوّة الإرادة، والإصرار، والعزيمة. تعتبر اللوحة أحد أعمال دافيد الأكثر أهمية،
بل وإحدى اللوحات المهمة في تاريخ الفن الفرنسي كله. وقد أصبحت نموذجًا للوحات
التاريخية التي ظهرت فيما بعد وأضحت ترمز للبطولة والنبل والتضحية. وهناك من
النقاد من يعزو سبب صعود دافيد وشهرته إلى هذا العمل بالذات.
نقلا عن مدونة arteducation على الرابط التالي:
Comments
Post a Comment