الفصل الثالث: مؤسسو الحداثة

الفصل الثالث

مؤسسو الحداثة

أين وقعت الحركة الأولى للحداثة، ومن مؤسسها؟ وهل حدث ذلك في العلوم، أم الفنون، أم الآداب؟

الحقيقة أن هناك دراسات عدة عن آباء الحداثة في العالم في المجالات الثلاثة. البعض يذهب بها إلى الفن، والبعض يذهب للأدب، والبعض يذهب للعلوم.

ورغم كل ذلك، يقول البعض إن الفنان فرانشيسكو خوسيه دي جويا (1746–1828) هو الأب الحقيقي للحداثة وآخر السادة القدامى بما مر به من أطوار في الرسم واستخدامه للألوان[i] بل يذهب البعض إلى تسميته بـالأب المؤسس للحداثة كما قال بذلك. بل يعيد البعض ذلك إلى بول سيزان، الفنان التشكيلي الفرنسي أحد أعمدة المدرسة التأثيرية أو الانطباعية.

A picture containing art, cartoon

Description automatically generatedفرانشيسكو جويا

السحرة في الهواء

ففي مقال نشرته الجارديان البريطانية عن سيزان يقول الكاتب[ii] أن سيزان في كل أعماله الفنية كان يضع خطوطًا للحداثة، لا تكاد تخلو لوحة من لوحاته من هذا القدر من التجديد في الفن لذلك وأبو الحداثة والمؤسس لها بلا منازع.

بينما أعاد البعض الآخر ذلك إلى ت. س. إليوت كأب مؤسس للحداثة في الأدب في أوروبا، وهناك من يقول بأنه أرنست هيمنجواي، الكاتب والروائي الأمريكي. وهكذا كل رأي له وجاهته وله منظوره. ولكننا هنا استرعى انتباهنا دراسة قصيرة ومقتضبة، هذه الدراسة لأنتوني دنزر بعنوان آباء الحداثة، أو سادة الحداثة في العالم (Masters of Modernism)[iii] وهو يقول بأن حركة الحداثة في العمارة والتصميم الصناعي، والتي تم دمجهما في بدايات القرن العشرين، واستجابة للتحولات في التكنولوجيا والمجتمع. حيث أجبر العالم الجديد المصنوع من الآلات والمدن الكبرى الفنانين على أن يفكروا بشكل جديد في البيئة وسرعان ما تم استحداث طرق جديدة للفهم والتصوير والمشاركة في العالم. أفكار الحداثي عمت كل أشكال التصميم، من رسم وتصوير العمارة بالإضافة إلى كونها أصبحت مفتاح التأثير في الفن، والأدب والموسيقى.

العديد من مصممي الحداثة أصروا على ألا يتبعوا "أسلوبًا محددًا"، وحقًا قد كانت الحداثة أكثر من مجرد "أسلوب". لقد كان شيئًا جديدًا يجتاح العالم. مشروطًا بنسب جديدة للزمن والمساحة. ولكن حتى رغم هذا، فقد كانت هناك طرق تبدو محددة وخاصة في ذاتها للتعبير في العالم كله. لقد كانت بصمات التصميم الحديث مكونة من الآتي: الاهتمام باكتشاف مواد جديدة، رفض السوابق التاريخية وتبسيط الأشكال بتخفيف الزخرفة.

إن كلمة "حديث Modern" أتت من المفردة اللاتينية "حديث Modernus" والتي تعني "فقط الآن". أيضًا، فإن المصطلح لم يستخدم بشكل واسع قبل عام 1500، حين تم تمييز الفترة التي تسبق عصر النهضة من العصور القديمة والوسيطة. وهي تعني أيضًا "طرازًا جديدًا ليس قديمًا ولا عتيقًا منتهيًا". حينئذ ومع نهاية القرن التاسع عشر أصبح المصطلح أقرب إلى الارتباط بـ "الفن الحديث" مع مجيء القرن العشرين.

في عام 1910، حددت فرجينيا وولف هذا العام بأنه العام الذي التئمت فيه التغيرات وقدمت لنا ثورة ثقافية. "في أو حوالي ديسمبر 1910" كتبت مايلي: "لقد تغيرت الشخصية الإنسانية".

في ورقتها الاستفزازية كتبت "ما الحداثة؟". الناقد روبرت آدمز وافق وولف، محددًا معرض "ما بعد الانطباعي" في جاليري جرافتون في لندن بأنه أول لحظات تعريف "الحداثة"؟. "خلال خمس سنوات بعد هذا التاريخ بدأت النتائج العظيمة للأعمال الجديدة والمختلفة تظهر في الثقافة الغربية، لتضرب وجوهنا جميعًا بشمس الحداثة - أو تجديفها إن شئت". عشر سنوات قبل نقطة الارتكاز هذه التي بدأت في ديسمبر 1910، لم تكن الحداثة ستظهر بعد عشر سنوات وإنما كانت معاولها تضرب في كل مكان بالفعل.

هناك العديد من المصادر لمفهوم الحداثة، أحد أوائل هذه المصادر الفنان الإنجليزي ويليام موريس[iv] حيث كانت كتاباته تشكل الأساس للفنون وحركة التصنيع اليدوي. فقد دعا موريس إلى عودة المصنوعات اليدوية الجيدة الصنع، بدلًا من إنتاجها بشكل ضخم، وبجودة أقل لأنها تعتمد على الآلة. وفي بيانه الشهير قال: "ليس لديك في منزلك أي شيء تعرفه قد يكون مفيدًا، أو تؤمن بأنه جميل". لقد أوجز موريس مبدأ الحداثة بأن فائدتها لا تقل أهمية عن الجمال.

الشكل الآخر الأكثر أهمية في هذا التطور، وأب أعظم نموذج للعمارة الحديثة هو الأمريكي لويس سوليفان[v] والذي قال جملته الشهيرة "الشكل يتبع الوظيفة". فبالنسبة لسوليفان فإن الوظيفية تعني استبعاد الزخرفة وعلى ذلك فإن المبنى يعكس الغرض منه في صفاء كامل، وقد قاد هذا المبدأ إلى فكرة تصميم المباني من الداخل إلى الخارج، تاركًا الهيكل الأساسي يحدد الشكل بما فيه مظهره الخارجي.

المعماري الفييني (نسبة إلى فيينا) أدولف لووس، اتبع سوليفان، وأصر على وظيفية الأشياء، وبأنها لا يجب أن تُزخرف، وبأنها مضيعة للوقت، والمادة والمال. وقد كتب بيان (مانيفستو) بعنوان "الزخرفة والجريمة" حيث قال بأن استبعاد الزخرفة هي علامة على القوة الروحية. هذا المقال أصبح واحدًا من النصوص المؤسسة لحركة الحداثة.

كما قدمت ورشة العمل النمساوية المعروفة باسم "ورشة فاينر فركستات" مشاركة مهمة في تطوير مفهوم الحداثة. فمؤسسها المعماري جوزيف هوفمان والمصور كولومان موزر، كونا هذه الحركة عام 1903. وقد اهتمت بتطوير فن ذي جودة عالية، وتصميم يمكن أن يتم جلبه إلى الحياة اليومية للناس. هذه الفلسفة عكست تأثير ويليام موريس. وتفاعلت ضد "التاريخانية" (Historicism)؛ حيث وظفت "ورشة فاينر فركستات" الأشكال البسيطة والنماذج الهندسية، بأقل قدر من الزخرفة. كما تم إعطاء قدر كبير من الاهتمام للمصنوعات اليدوية. وقد تلى ذلك رفع شعار "من الأفضل أن تمضي عشرة أيام لتصنع – بيديك- قطعة واحدة على أن تصنع - بالآلة - عشر قطع في يوم واحد".

ولكن في العشرينيات، بدأ مصممو الحداثة في استخدام تكنولوجيا جديدة والنظر في إمكانية الإنتاج الضخم، وهكذا أصبح جمال الآلة المؤثر طابعًا مركزيًا في الحداثة. هناك نموذجان سَوَّقا للغة الصناعة تلك هما "والتر جروبيوس" و"لو كوربيزييه".

كان والتر جروبيوس قائدًا للبوهاوس وهي مدرسة للفن والعمارة في ألمانيا. وقد استطاعت البوهاوس أن تقوم بثورة في مجال التدريب في الفن بالجمع بين تدريس الفنون الجميلة ودراسة الصناعات اليدوية. وقد هدف جروبيوس إلى توحيد وربط الفن بالتكنولوجيا، وقام بنفسه بتعليم جيل جديد من المصممين والمعماريين لرفض السوابق التاريخية والتوافق مع مفهوم الصناعة الحديث. ومن أجل البوهاوس كتب جروبيوس المنهج، وصمم المبنى، وجمع لكليته: مجموعة غريبة من الفنانين هم بول كلي، ليونل فاينيجر، واسيلي كاندينسكي، لازلو موهولي - ناجي، ومارسيل برور.

أما لو كوربيزييه، فربما يكون معماري الحداثة الأكثر تأثيرًا، حيث قدم تصميمات لمهندسين مثيرة للدهشة، مثل صوامع الغلال، وسفن البحار، والسيارات. إن أفكاره الحداثية أعطت انطباعًا كاملًا في كتابه الذي صدر عام 1923 بعنوان نحو معماري جديد، وهو يعد مانيفستو مُلهِمًا. وما زال يوضع بين الكتب الأفضل مبيعًا في العمارة في كل الأوقات، وقد احتوى على شعار لو كوربيزييه الشهير "المنزل هو آلة مصممة لتعيش فيها".

في الثلاثينيات، هاجر العديد من الحداثيين الأوروبيين إلى الولايات المتحدة. وهكذا أصبحت نظرية الحداثة وتطبيقاتها أكثر اتساعًا. وكما قال ريتشارد وستون، أصبح "تقليد الجديد" هو "الطراز المهيمن على أعمال الفنانين".

وهكذا فإن ما بدأ في أوروبا كمجموعة مفككة من الحركات الفنية تم مزجها جميعًا فيما بعد كأسلوب مهيمن على الفن في القرن العشرين. وتقريبًا مع نهاية العشرينيات أصبحت الحداثة تضرب بمعولها في كل شيء بحثًا عن إنسانية جديدة، لكنها اتصفت بالوظيفية متناسية الجمال والروح الإنسانية الكلاسيكية التي استمرت سبعة آلاف سنة.



[i] وفقا لتيفاني تشاني في مقالتها التي بعنوان:

Francisco Goya- Father of Modernism and Last of the Old Masters. Art Corner. A Blog by Overstock Art.

Francisco Goya - Father of Modernism and Last of the Old Masters (overstockart.com)

[iii] Denzer Anthony S., Masters of Modernism.

http://www.mastersofmodernism.com/?page=Modernism

[iv] ويليام موريس William Morris؛ 24 مارس 1834 – 3 أكتوبر 1896 معماري، مرمم، ومصمم للأثاث والمنسوجات، وفنان، وكاتب اشتراكي إنجليزي.

ولد موريس في والتايمستو في شرق لندن، وتعلم في مارلبورو وأكسفورد. في 1856، أصبح متعلمًا عند المعماري جورج إدموند ستريت. في السنة نفسها أنشأ مجلة أكسفورد وكامبردج، والتي كانت مخرجًا لشعره وتطوير نظرياته حول مهارة الصنعة اليدوية في الفنون التزيينية. في 1861 أسس موريس شركة تصميم بالشراكة مع الفنان إدوارد بورن جونز، والشاعر والفنان دانتي غابريل روزسيتي، والتي كان لها تأثيرًا عميقًا على زينة الكنائس والبيوت حتى بداية القرن العشرين.

كتب ونشر موريس الشعر، والقصص، وترجمات النصوص القديمة من القرون الوسطى طوال حياته. تتضمن أفضل أعماله المعروفة: "دفاع جينيفير وقصائد أخرى" (1858)، و"الجنة الدنيوية" (1868 إلى 1870)، و"حلم جون بول" (1988)، و"أخبار ليست من أي مكان" (1890)، و"البئر في نهاية العالم" (1896). كان موريس شخصية مهمة مع ظهور الاشتراكية في بريطانيا العظمى، فقد أسس الاتحاد الاشتراكي في 1884، لكنه اختلف مع الحركة في بعض الأهداف والطرق مع نهاية ذلك العقد. كرس معظم بقية حياته لصحيفة كيلمسكوت الذي أسسها في 1891.

[v] لويس هنري سوليفان: Louis Henry Sullivan ولد بتاريخ 3 أيلول 1856 – 14 أبريل 1924م من أشهر المعماريين الأمريكيين، احتل المكانة نفسها التي أشتهر بها فرانك لويد رايت وهنري هوسبون ريتشاردسون. وظهر تأثير سوليفان نتيجة لجودة وأصالة تصميماته المعمارية وكذلك من كتاباته المبدعة عن النظرية المعمارية. وكان رائدًا لمدرسة شيكاغو المعمارية.

قام سوليفان، أكثر من أي مهندس معماري آخر في القرن التاسع عشر الميلادي، بجمع الخطوط الرئيسية للمعمار والهندسة مع النظريات الشاملة للطبيعة والتغير الاجتماعي. واعتبر سوليفان أن ابتكار مبنى ما، ليس مجرد مشكلة تصميم وتلبية للاحتياجات العملية أو تطوير تصميم إنشائي، وإنما هو في رأيه تعبير عن نظرة للإنسانية، وللطبيعة، والمجتمع. وقد استخدم الزخرفة والتصميم والمنافع، والبناء للتعبير عن فلسفته هذه، وردد وروّج لعبارته المشهورة الشكل يتبع الوظيفة، ورأى أن الوظيفة تعني أكثر من مجرد إرضاء للاحتياجات العملية أو الوصول إلى بناء منطقي، وإنما يجب أن يكون المبنى عضويًا من الناحية الوظيفية، بمعنى أنه يجب أن يكون تعبيرًا عن وجهة نظر المهندس تجاه الطبيعة والمجتمع

Comments

Popular posts from this blog

الفصل التاسع: مختارات من أهم روايات الحداثة في العالم

الفصل الثاني : الحداثة في الشعر

الفصل الأول : الابعاد التاريخية للحداثة :